الخميس، 12 مارس 2015

الطفلة العجوز




ويظل في مخيلتي ..

بيت عجوز وحيدة بحينا .. نتسابق كي نطرق نافذتها ونصرخ: يا ساحرة ...
ونهرب كي نختبأ وراء الاشجار.. ثم ننتظر صوتها الحاد الذي يعبر الجدران ويوقظ جميع الجيران .. ببراءتنا لم نكن نعلم ما معنى الساحرة.. فقط لأننا سمعنا امهاتنا ينعتونها بذلك الاسم. كنا نفعل ذلك باستمرار ثم ننفجر بالضحك ونحس كأننا انجزنا عملا عظيما وبطوليا يكفي لان يشعل حماستنا طول اليوم فلا ننام الى وثغرنا مبتسم.

جاء يوم أردنا ان نكرر نفس اللعبة. طرقنا النافذة وصرخنا: يا ساحرة... واختبأنا ..
انتظرنا طويلا هذه المرة كي تصيح كعادتها .. لكن الصمت فجر فضولنا الطفولي, وتركنا حارين امام هذا السكون الذي عبر اوصالي فشتتها. حتى الجيران لم يستوعبوا عدم صراخها فظنوا انها سافرت. لكن بعد مرور أيام انبعثت رائحة كريهة من نافذتها التي نطرقها كل يوم. اتصل احد سكان الحي بالشرطة. فإذا بنا نكتشف أنها كانت ميتة. توفيت وحيدة. كأنها لم تصرخ يوما. كأنها لم تكن يوما. سقطت على الارض فور رؤيتي لهم يخرجونها من البيت. احسست بأنهم يأخذونها بعيدا عني. بكيت بحرقة وصرخت يا ساحرة .. لمن تركتني ورحلت, هل تعلمين كم انتظرتك, كم عدد طرقي لنافذة بيتك, كم عدد الصرخات التي اطلقتها واختبأت. انتظرتك كي اسمع صوتك الحاد الذي يبعث في نفسي البهجة. الذي يشعرني بأن وجودي له قيمة. ان هناك احد في هذا الكون يعير لشقاوتي وطفولتي اهتمام. لم يكن يهم الغضب الذي تفجرينه بين اسنانك وتلقينه عبر الجدران لكي يمسك بنا ويؤدبنا بأصابع يديه الخفية. ما همني فعلا هو استجابتك.. وحضورك.. واهتمامك..
اقف الان امام نافذتك واطرقها وأصرخ, ودموعي تعمي نظراتي فأمسحها بسرعة وأطرق مجددا. وأمي تشدني من يدي وتجرني, لكن قدماي لا تتحركان, المي هذه المرة فاق الحدود, فعرفت لأول مرة ما معنى الالم. فمزق قلبا لم يكتمل بعد. واكاد اجزم انني سمعت الجدران تبكي هي الاخرى.

رحلت العجوز واقفل بيتها لمدة عامين ونصف قبل ان تشتريه عائلة من الضواحي. مر على ذلك الحادث ما يقارب 18 عاما. لازلت الى يومنا هذا اقف أمام تلك النافذة وأهمس: يا ساحرة... وأرحل بعد أن سمعت صوتها داخل قلبي.

الطفولة تعلمنا ما معنى الاخلاص. تعلمنا كي نخلص للاماكن, للأشخاص, للأحداث, للذكريات...

وما لا يعلمه البعض أن كل شقاء او صدمة تحدث لنا في الطفولة تخلق ندبة في الروح تستمر العمر كله.